فصل: تحوّل الحربيّ إلى مستأمن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تحميد

التّعريف

1 - التّحميد في اللّغة‏:‏ كثرة الثّناء بالمحامد الحسنة، وهو أبلغ من الحمد‏.‏ والتّحميد في الإطلاق الشّرعيّ يراد به كثرة الثّناء على اللّه تعالى، لأنّه هو مستحقّ الحمد على الحقيقة‏.‏ والأحسن التّحميد بسورة الفاتحة، وبما يثنى عليه في الصّلاة بقوله‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الشّكر‏:‏

2 - الشّكر في اللّغة‏:‏ الثّناء على المحسن بما قدّم لغيره من معروف‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن ذلك‏.‏ والشّكر كما يكون باللّسان يكون باليد والقلب‏.‏ والشّكر مجازاة للمحسن على إحسانه، وقد يوضع الحمد مكان الشّكر، تقول‏:‏ حمدته على شجاعته، يعني أثنيت على شجاعته، كما تقول‏:‏ شكرته على شجاعته، وهما متقاربان، إلاّ أنّ الحمد أعمّ، لأنّك تحمد على الصّفات ولا تشكر، وذلك يدلّ على الفرق‏.‏

ب - المدح‏:‏

3 - المدح من معانيه في اللّغة‏:‏ الثّناء الحسن تقول‏:‏ مدحته مدحاً من باب نفع‏:‏ أثنيت عليه بما فيه من الصّفات الجميلة، خلقيّةً كانت أو اختياريّةً‏.‏ والمدح في الاصطلاح‏:‏ هو الثّناء باللّسان على الجميل الاختياريّ قصداً‏.‏ ولهذا كان المدح أعمّ من الحمد‏.‏

الحكم الإجمالي

4 - مواطن التّحميد في حياة الإنسان متعدّدة‏.‏ فهو مطالب به عرفاناً منه بنعم اللّه تعالى وثناءً عليه بما هو أهله، على ما أولاه من نعم لا حصر لها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها‏}‏ فلا طاقة على عدّها، ولا قدرة على حصرها لكثرتها، كالسّمع والبصر وغير ذلك من العافية والرّزق، وهي نعم منه سبحانه، ولذا هيّأ للإنسان من الأسباب ما يعينه على القيام بحمده والثّناء عليه بما هو أهله‏.‏

والتّحميد تارةً يكون واجباً كما في خطبة الجمعة‏.‏ وتارةً يكون سنّةً مؤكّدةً كما هو بعد العطاس‏.‏ وتارةً يكون مندوباً كما في خطبة النّكاح، وفي ابتداء الدّعاء، وفي ابتداء كلّ أمر ذي بال، وبعد كلّ أكل وشرب ونحو ذلك‏.‏ وتارةً يكون مكروهاً كما في الأماكن المستقذرة‏.‏ وتارةً يكون حراماً كما في الفرح بالمعصية‏.‏ وتفصيل ذلك كما يأتي‏:‏

التّحميد في خطبتي الجمعة

5 - التّحميد في خطبتي الجمعة مطلوب شرعاً، على خلاف بين الفقهاء في فرضيّته أو ندبه‏.‏ والبداءة به فيهما مستحبّة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً‏:‏ «كلّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم»، ولما روى جابر رضي الله عنه «أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب النّاس يحمد اللّه ويثني عليه بما هو أهله»‏.‏

والتّفصيل في ‏(‏صلاة الجمعة‏)‏‏.‏

التّحميد في خطبة النّكاح

6 - يستحبّ التّحميد في خطبة النّكاح قبل إجراء العقد، لما ورد فيها من لفظه عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الحمد للّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏ وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ‏{‏يا أيّها النّاسُ اتَّقُوا ربَّكم الّذي خَلَقَكم منْ نفسٍ واحدةٍ وَخَلَقَ منها زوجَها وَبثَّ منهما رِجَالاً كثيراً ونساءً واتَّقُوا اللّهَ الّذي تَسَاءلُونَ به والأرحامَ إنَّ اللّهَ كان عليكم رَقِيباً‏}‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حقَّ تُقَاتِه ولا تَمُوتُنَّ إلاّ وأَنْتُم مسلمونَ‏}‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا اتَّقُوا اللّهَ وقُولُوا قولاً سَديداً يُصْلِحْ لكم أعمالَكم ويَغْفِرْ لكم ذنوبَكم ومن يُطِعِ اللّهَ ورسولَه فقد فازَ فوزاً عظيماً‏}‏»‏.‏

التّحميد في افتتاح الصّلاة

7 - التّحميد في افتتاح الصّلاة - وهو المعبّر عنه بدعاء الاستفتاح - سنّة‏:‏ فقد «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصّلاة كبّر، ثمّ رفع يديه حتّى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثمّ يقول‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك» وذلك متّفق عليه بين الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

والتّحميد عند استواء الرّفع من الرّكوع في الصّلاة واجب عند الحنابلة، لما روى الدّارقطنيّ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لبريدة رضي الله عنه‏:‏ يا بريدة إذا رفعت رأسك من الرّكوع فقل‏:‏ سمع اللّه لمن حمده، ربّنا ولك الحمد» وسنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة للمأموم والمنفرد، فإنّهما يجمعان بين التّسميع والتّحميد، ويكتفي المأموم بالتّحميد اتّفاقاً للأمر به، لما روى أنس وأبو هريرة رضي الله عنهما «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا قال الإمام‏:‏ سمع اللّه لمن حمده، فقولوا‏:‏ ربّنا ولك الحمد» ولما في صحيح البخاريّ عن رفاعة بن رافع الزّرقيّ رضي الله عنه قال‏:‏ «كنّا يوماً نصلّي وراء النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا رفع رأسه من الرّكعة قال‏:‏ سمع اللّه لمن حمده فقال رجل وراءه‏:‏ ربّنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه‏.‏ فلمّا انصرف قال‏:‏ من المتكلّم‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها‏.‏ أيّهم يكتبها أوّل»‏.‏

وهذا التّحميد بعد قول الإمام أو قول الفرد‏:‏ سمع اللّه لمن حمده، مندوب عند المالكيّة‏.‏

التّحميد لمن فرغ من الصّلاة عقيب التّسليم

8 - هو مستحبّ عند الشّافعيّة‏.‏ لما روى ابن الزّبير رضي الله عنهما «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يهلّل في إثر كلّ صلاة فيقول‏:‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه، ولا نعبد إلاّ إيّاه، وله النّعمة، وله الفضل، وله الثّناء الحسن، لا إله إلاّ اللّه، مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون»‏.‏

وسنّة عند الحنفيّة والحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سبّح اللّه في دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين، وكبّر اللّه ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال في تمام المائة‏:‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»‏.‏

ويسنّ عندهم أن يقول بعد ذلك‏:‏ «اللّهمّ أعِنّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسْنِ عبادتِك» ويختم ذلك بقوله‏:‏ «سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد للّه ربّ العالمين» وزاد الحنابلة على ما استدلّوا به الحديث الّذي استدلّ به الشّافعيّة‏.‏ والأولى البدء بالتّسبيح لأنّه من باب التّخلية، ثمّ التّحميد لأنّه من باب التّحلية، ثمّ التّكبير لأنّه تعظيم‏.‏

التّحميد في صلاة العيدين بعد التّحريمة

9 - هو سنّة عند الحنفيّة للإمام والمؤتمّ، فيثني ويحمد مستفتحاً ‏"‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك ‏"‏ وذلك مقدّم على تكبيرات الزّوائد‏.‏

وهو سنّة بين التّكبيرات عند الحنابلة، فيقول بينها‏:‏ اللّه أكبر كبيراً، والحمد للّه كثيراً، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً، وصلّى اللّه على محمّد النّبيّ وآله وسلّم تسليماً كثيراً‏.‏

لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال‏:‏ «سألت ابن مسعود رضي الله عنه عمّا يقوله بين تكبيرات العيد‏؟‏ قال‏:‏ يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ يدعو ويكبّر»‏.‏

التّحميد في صلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة

10 - التّحميد في خطبة صلاة الاستسقاء سنّة عند الشّافعيّة والحنابلة، ومستحبّ عند الحنفيّة والمالكيّة‏.‏ وهو صلاة الجنازة بعد التّكبيرة الأولى سنّة عند الحنفيّة‏.‏ فيقول المصلّي‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك‏.‏

التّحميد في تكبيرات التّشريق

11 - التّحميد في تكبيرات التّشريق سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، فيقول كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر وللّه الحمد»‏.‏ وقد روي أنّه صلى الله عليه وسلم «قال على الصّفا‏:‏ اللّه أكبر‏.‏ اللّه أكبر‏.‏ اللّه أكبر‏.‏ اللّه أكبر كبيراً والحمد للّه كثيراً، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً، لا إله إلاّ اللّه ولا نعبد إلاّ إيّاه، مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون، لا إله إلاّ اللّه وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده‏.‏ لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر»‏.‏ والجمع بين التّكبير والتّهليل والتّحميد في أيّام التّشريق أفضل وأحسن عند المالكيّة، فيقول إن أراد الجمع‏:‏ اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر‏.‏ اللّه أكبر، وللّه الحمد‏.‏ وقد روي عن مالك هذا‏.‏

التّحميد للعاطس في غير صلاة

12 - اتّفق العلماء على أنّه يسنّ للعاطس إذا عطس أن يحمد اللّه، فيقول عقبه‏:‏ الحمد للّه‏.‏ ولو قال‏:‏ الحمد للّه ربّ العالمين، أو الحمد للّه على كلّ حال كان أفضل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا عطس أحدكم فليقل‏:‏ الحمد للّه‏.‏ وليقل له أخوه أو صاحبه‏:‏ يرحمك اللّه» وعنه رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا عطس أحدكم فليقل‏:‏ الحمد للّه على كلّ حال» وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ «عطس رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشَمَّتَ أحدَهما، ولم يشمّت الآخر‏.‏ فقال الّذي لم يشمّته‏:‏ عطس فلان فشمَّتَّه، وعطستُ فلم تُشَمِّتْني‏؟‏ فقال‏:‏ هذا حمد اللّه تعالى، وإنّك لم تحمد اللّه تعالى»‏.‏ وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏{‏إذا عطس أحدكم فحمد اللّه تعالى فشمّتوه، فإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه‏}‏‏.‏

التّحميد للخارج من الخلاء بعد قضاء حاجته

13 - وهو مندوب عند المالكيّة والشّافعيّة، وسنّة عند الحنفيّة والحنابلة، فيقول‏:‏ «غفرانك» «الحمد للّه الّذي أذهب عنّي الأذى وعافاني»‏.‏

وعن ابن عمر رضي الله عنهما ما قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء يقول‏:‏ الحمد للّه الّذي أذاقني لذّته، وأبقى في قوّته، وأذهب عنّي أذاه»‏.‏

التّحميد لمن أكل أو شرب

14 - هو مستحبّ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشّربة فيحمده عليها»‏.‏

ولما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال‏:‏ الحمد للّه الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» وروى معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من أكل طعاماً فقال‏:‏ الحمد للّه الّذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة غفر له ما تقدّم من ذنبه»‏.‏ ولما روى أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاريّ رضي الله عنه قال‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال‏:‏ الحمد للّه الّذي أطعم وسقى وسوّغه وجعل له مخرجاً»‏.‏ ولما روى عبد الرّحمن بن جبير التّابعيّ «أنّه حدّثه رجل خدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثماني سنوات أنّه كان يسمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرّب إليه طعاماً يقول‏:‏ بسم اللّه‏.‏ فإذا فرغ من طعامه قال‏:‏ اللّهمّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقنيتَ وهديتَ وأحسنتَ، فلك الحمد على ما أعطيت»‏.‏

التّحميد لمن سمع بشارةً تسرّه، أو تجدّدت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة

15 - يستحبّ للشّخص أن يحمده سبحانه، ويثني عليه بما هو أهله، وفي هذا قول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏الحمد للّه الّذي أذهب عنّا الحَزَن‏}‏ وهو ما يقوله أهل الجنّة‏.‏

وفي قصّة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ‏{‏وقالا الحمد للّه الّذي فَضَّلَنا على كثير من عباده المؤمنين‏}‏‏.‏ وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏الحمد للّه الّذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق‏}‏‏.‏ وفي صحيح البخاريّ أنّ عمر رضي الله عنه أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة رضي الله عنها يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه‏.‏ فلمّا أقبل عبد اللّه قال عمر‏:‏ ما لديك‏؟‏ قال‏:‏ الّذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنت‏.‏ قال‏:‏ الحمد للّه، ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك‏.‏ وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللّبن، فقال له جبريل عليه السلام‏:‏ الحمد للّه الّذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَتْ أمّتك»‏.‏

التّحميد للقائم من المجلس

16 - التّحميد للقائم من المجلس مستحبّ‏.‏ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من جلس في مجلس فَكَثُر فيه لَغَطُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلاّ غفر له ما كان في مجلسه ذلك»‏.‏

التّحميد في أعمال الحجّ

17 - التّحميد في أعمال الحجّ مستحبّ، وممّا أثر من صيغه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند الملتَزَم قوله‏:‏ «اللّهمّ لك الحمد حمداً يوافي نعمك، ويكافئ مزيدك، أحمدك بجميع محامدك، ما علمت منها وما لم أعلم وعلى كلّ حال‏.‏ اللّهمّ صلّ وسلّم على محمّد وعلى آل محمّد‏.‏ اللّهمّ أعذني من الشّيطان الرّجيم، وأعذني من كلّ سوء، وقنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه‏.‏ اللّهمّ اجعلني من أكرم وفدك عليك، وألزمني سبيل الاستقامة حتّى ألقاك يا ربّ العالمين»‏.‏

التّحميد لمن لبس ثوباً جديداً

18 - التّحميد لمن لبس ثوباً جديداً مستحبّ‏.‏ فعن معاذ بن أنس أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من لبس ثوباً جديداً فقال‏:‏ الحمد للّه الّذي كساني هذا، ورزقنيه من غير حول منّي ولا قوّة غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه»‏.‏

التّحميد لمن استيقظ من نومه

19 - التّحميد لمن استيقظ من نومه مستحبّ‏.‏ فقد «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول إذا استيقظ‏:‏ الحمد للّه الّذي أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور»‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا استيقظ أحدكم فليقل‏:‏ الحمد للّه الّذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره»‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما من عبد يقول عند ردّ اللّه تعالى روحه‏:‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير إلاّ غفر اللّه تعالى له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر»‏.‏

التّحميد لمن يأوي إلى فراشه

20 - التّحميد لمن يأوي إلى فراشه للنّوم مستحبّ‏.‏ «فعن عليّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له ولفاطمة رضي الله عنهما‏:‏ إذا أويتما إلى فراشكما، أو إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا ثلاثاً وثلاثين، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين» وفي رواية التّسبيح «أربعاً وثلاثين»‏.‏ وفي رواية التّكبير «أربعاً وثلاثين»‏.‏

قال عليّ فما تركته منذ سمعته من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

التّحميد لمن يشرع في الوضوء، ولمن فرغ منه

21 - التّحميد في الوضوء مستحبّ‏.‏ فيقول المتوضّئ بعد التّسمية‏:‏ الحمد للّه الّذي جعل الماء طهوراً‏.‏ وروي عن السّلف، وقيل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في لفظها‏:‏ «باسم اللّه العظيم، والحمد للّه على دين الإسلام»‏.‏

والتّحميد لمن فرغ من الوضوء مستحبّ‏.‏ فيقول بعد الفراغ منه‏:‏ أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله‏.‏ اللّهمّ اجعلني من التّوّابين، واجعلني من المتطهّرين‏.‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من توضّأ فأسبغ الوضوء ثمّ قال عند فراغه من وضوئه‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش، فلم يكسر إلى يوم القيامة»‏.‏

التّحميد للمسئول عن حاله

22 - والتّحميد للمسئول عن حاله مستحبّ‏.‏ ففي صحيح البخاريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما «أنّ عليّاً رضي الله عنه خرج من عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في وجعه الّذي توفّي فيه، فقال النّاس‏:‏ يا أبا حسن‏:‏ كيف أصبح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ أصبح بحمد اللّه تعالى بارئاً»‏.‏

23 - كذلك التّحميد لمن رأى مبتلًى بمرض أو غيره مستحبّ‏.‏ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من رأى مبتلًى فقال‏:‏ الحمد للّه الّذي عافاني ممّا ابتلاك به، وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك البلاء»‏.‏

قال النّوويّ‏:‏ قال العلماء‏:‏ ينبغي أن يقول هذا الذّكر سرّاً بحيث يسمع نفسه، ولا يَسْمعه المبتلى لئلاّ يتألّم قلبه بذلك، إلاّ أن تكون بليّته معصيةً فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدةً‏.‏

24- كذلك التّحميد لمن دخل السّوق مستحبّ‏.‏ فعن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من دخل السّوق فقال‏:‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير، كتب اللّه له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيّئة، ورفع له ألف ألف درجة»‏.‏

التّحميد لمن عطس في الصّلاة

25 - التّحميد لمن عطس في الصّلاة مكروه إذا جهر به عند الحنفيّة والحنابلة، ولا بأس به إن أسرّ به في نفسه من غير تلفّظ‏.‏ وحرام عند الشّافعيّة، لما روى معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال‏:‏ «بينما أنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الصّلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت‏:‏ يرحمك اللّه، فحدّقني القوم بأبصارهم‏.‏ فقلت‏:‏ واثكل أمّاه ما لكم تنظرون إليّ‏؟‏ فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعاني، بأبي وأمّي هو، ما رأيت معلّماً أحسن تعليماً منه، واللّه ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثمّ قال‏:‏ إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميّين، إنّما هي التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن»‏.‏ هذا ويكره التّحميد لمن يقضي حاجته في الخلاء وعطس، إلاّ أن يكون ذلك في نفسه من غير تلفّظ به بلسانه، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كرهتُ أن أذكر اللّه تعالى إلاّ على طهر»‏.‏

تحنيك

التّعريف

1 - من معاني التّحنيك في اللّغة‏:‏ أن يدلّك بالتّمر حنك الصّبيّ من داخل فيه، بعد أن يلين‏.‏ والتّعريف الاصطلاحيّ يشتمل على هذا المعنى وعلى غيره، كتحنيك الميّت وغيره‏.‏

2 - فتحنيك الميّت هو‏:‏ إدارة الخرقة تحت الحنك وتحت الذّقن‏.‏ وتفصيله في ‏(‏الجنائز‏)‏‏.‏

3 - وتحنيك الوضوء هو‏:‏ مسح ما تحت الحنك والذّقن في الوضوء‏.‏

وتفصيله في ‏(‏الوضوء‏)‏‏.‏

4- وتحنيك العمامة ‏(‏ويسمّى التّلحّي‏)‏ هو‏:‏ إدارة العمامة من تحت الحنك كوراً أو كورين‏.‏

تحنيك المولود

حكمه التّكليفي

5 - التّحنيك مستحبّ للمولود، لما في الصّحيحين من حديث أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنهما قال‏:‏ «ولد لي غلام فأتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسمّاه إبراهيم وحنّكه بتمرة»‏.‏

6- ويتولّى تحنيك الصّبيّ رجل أو امرأة، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أنّه كان يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم ويحنّكهم»‏.‏

وأورد ابن القيّم أنّ أحمد بن حنبل ولد له مولود فأمر امرأةً بتحنيكه‏.‏

7- ويحنّك المولود بتمر، لما ورد «عن أسماء رضي الله عنها أنّها حملت بعبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنهما قالت‏:‏ خرجت وأنا مُتِمّ، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثمّ أتيت به النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، ثمّ دعا بتمرة فمضغها ثمّ تفل في فيه، فكان أوّل شيء دخل جوفه ريق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ حنّكه بتمرة، ثمّ دعا له وبرّك عليه»‏.‏ فإن لم يتيسّر تمر فرطب، وإلاّ فشيء حلو، وعسل نحل أولى من غيره، ثمّ ما لم تمسّه النّار كما في نظيره ممّا يفطر الصّائم‏.‏

8- ويحنّك الغلام غداة يولد، قال ابن حجر‏:‏ وقيّد بالغداة اتّباعاً للفظ الخبر، والغداة تطلق ويراد بها الوقت هنا‏.‏ وينبغي عند التّحنيك أن يفتح المحنّك فم الصّبيّ، حتّى تنزل حلاوة التّمر أو نحوه إلى جوفه‏.‏

التّحنيك في العمامة

9 - تحنيك العمامة أن يدار منها تحت الحنك كور أو كوران، ويسنّ تحنيكها عند المالكيّة والحنابلة، ومحصّل الكلام في ذلك عندهم‏:‏ أنّ العمامة بغير تحنيك ولا عذبة بدعة مكروهة، فإن وجدا فهو الأكمل وهو السّنّة، وإن وجد أحدهما فقد خرج من المكروه، واختلفوا في وجه الكراهة، فقيل لمخالفة السّنّة‏.‏

ولا يسنّ تحنيك العمامة عند الحنفيّة والشّافعيّة، وتسنّ العذبة لا غير‏.‏

تحوّل

التّعريف

1 - التّحوّل في اللّغة مصدر تحوّل، ومعناه‏:‏ التّنقّل من موضع إلى آخر، ومن معانيه أيضاً‏:‏ الزّوال، كما يقال‏:‏ تحوّل عن الشّيء أي‏:‏ زال عنه إلى غيره‏.‏

وكذلك‏:‏ التّغيّر والتّبدّل‏.‏ والتّحويل مصدر حوّل، وهو‏:‏ النّقل، فالتّحوّل مطاوع وأثر للتّحويل‏.‏ ويقصد الفقهاء بالتّحوّل ما يقصد به في اللّغة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الاستحالة‏:‏

2 - من معاني الاستحالة لغةً‏:‏ تغيّر الشّيء عن طبعه ووصفه، أو عدم الإمكان‏.‏ فالاستحالة قد تكون بمعنى التّحوّل، كاستحالة الأعيان النّجسة من العذرة والخمر والخنزير وتحوّلها عن أعيانها وتغيّر أوصافها، وذلك بالاحتراق، أو بالتّخليل، أو بالوقوع في شيء، كما سيأتي تفصيله‏.‏

أحكام التّحوّل

للتّحوّل أحكام تعتريه، وهي تختلف باختلاف مواطنها، أهمّها ما يلي‏:‏

أ - تحوّل العين وأثره في الطّهارة والحلّ‏:‏

3 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة، وهو رواية عن أحمد إلى‏:‏ أنّ نجس العين يطهر بالاستحالة، فرماد النّجس لا يكون نجساً، ولا يعتبر نجساً ملح كان حماراً أو خنزيراً أو غيرهما، ولا نجس وقع في بئر فصار طيناً، وكذلك الخمر إذا صارت خلّاً سواء بنفسها أو بفعل إنسان أو غيره، لانقلاب العين، ولأنّ الشّرع رتّب وصف النّجاسة على تلك الحقيقة، فينتفي بانتقائها‏.‏ فإذا صار العظم واللّحم ملحاً أخذا حكم الملح، لأنّ الملح غير العظم واللّحم‏.‏

ونظائر ذلك في الشّرع كثيرة منها‏:‏ العلقة فإنّها نجسة، فإذا تحوّلت إلى المضغة تطهر، والعصير طاهر فإذا تحوّل خمراً ينجس‏.‏

فيتبيّن من هذا‏:‏ أنّ استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتّب عليها‏.‏

والأصل عند الشّافعيّة، والحنابلة في ظاهر المذهب‏:‏ أنّ نجس العين لا يطهر بالاستحالة، فالكلب أو غيره يلقى في الملّاحة فيصير ملحاً، والدّخان المتصاعد من وقود النّجاسة، وكذلك البخار المتصاعد منها إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل، ثمّ قطّر، نجس‏.‏

4 - ثمّ استثنوا من ذلك الخمر إذا انقلبت بنفسها خلّاً فتطهر بالتّخلّل، لأنّ علّة النّجاسة الإسكار وقد زالت، ولأنّ العصير لا يتخلّل إلاّ بعد التّخمّر غالباً، فلو لم يحكم بالطّهارة تعذّر الحصول على الخلّ، وهو حلال بالإجماع‏.‏

وأمّا إن خلّلت بطرح شيء فيها بفعل إنسان فلا تطهر عندهم‏.‏

وصرّح الشّافعيّة بأنّها لو تخلّلت بإلقاء الرّيح فلا تطهر عندهم أيضاً، سواء أكان له دخل في التّخليل كبصل وخبز حارّ، أم لا كحصاة‏.‏ وكذلك لا فرق بين أن تكون العين الملقاة طاهرةً أو نجسةً‏.‏ وفي الموضوع تفصيل أكثر يرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏تخليل واستحالة‏)‏‏.‏

ب - تطهير الجلد بالدّباغ‏:‏

5 - لا خلاف بين الفقهاء في نجاسة جلد الميتة قبل الدّباغ، وإنّما اختلفوا في طهارته بعده على اتّجاهات كثيرة‏.‏ وفي الموضوع فروع كثيرة وخلاف بين المذاهب، فصّله الفقهاء عند الكلام عن النّجاسة وكيفيّة تطهيرها، ويراجع فيه أيضاً مصطلح‏:‏ ‏(‏دباغة‏)‏‏.‏

ج - تحوّل الوصف أو الحالة‏:‏

تحوّل الماء الرّاكد إلى الماء الجاري

6 - المختار عند الحنفيّة أنّ الماء النّجس الرّاكد إذا تحوّل إلى جار يطهر بمجرّد جريانه، والجاري ما يعدّه النّاس جارياً بأن يدخل الماء من جانب ويخرج من جانب آخر حال دخوله، وإن قلّ الخارج، لأنّه صار جارياً حقيقةً، وبخروج بعضه وقع الشّكّ في بقاء النّجاسة، فلا تبقى مع الشّكّ‏.‏ وفيه قولان ضعيفان عند الحنفيّة‏.‏

الأوّل‏:‏ لا يطهر بمجرّد التّحوّل، بل لا بدّ من خروج قدر ما فيه‏.‏

والثّاني‏:‏ لا بدّ من خروج ثلاثة أمثاله‏.‏

ويظهر الفرق بين القول المختار والقولين الآخرين في‏:‏ أنّ الخارج من الحوض يكون طاهراً بمجرّد خروجه، بناءً على القول المختار‏.‏ ولا يكون طاهراً قبل الحكم بطهارة الماء الرّاكد على القولين الآخرين‏.‏ وعلى هذا الخلاف‏:‏ البئر وحوض الحمّام والأواني‏.‏

وأمّا المالكيّة فعندهم يتحوّل الماء الكثير النّجس طهوراً بزوال التّغيّر، سواء أكان بصبّ ماء مطلق عليه، قليل أو كثير، أو ماء مضاف مقيّد انتفت نجاسته، أم بإلقاء شيء فيه كتراب أو طين، ولم يظهر فيه أحد أوصاف ما ألقي فيه‏.‏

لأنّ تنجّسه إنّما كان لأجل التّغيّر وقد زال، والحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً، كالخمر إذا صارت خلّاً، وفي تغيّره بنفسه، أو بنزح بعضه قولان‏.‏

ومذهب الشّافعيّة‏:‏ أنّ الماء إذا بلغ قلّتين لا ينجس بملاقاة نجس، لحديث «إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَثَ» أي لا يقبل النّجس‏.‏ هذا ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فينجس لحديث‏:‏ «إنّ الماء طَهورٌ لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونَه أو طعمَه أو ريحَه»‏.‏

فإن تغيّر وصف من هذه الأوصاف تنجّس، فإن زال تغيّره بنفسه أو بماء انضمّ إليه طهر‏.‏ وما دون القلّتين ينجس بالملاقاة، فإن بلغهما بماء ولا تغيّر به فطهور‏.‏

ولو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغ قلّتين لم يطهر‏.‏ وقيل‏:‏ هو طاهر لا طهور‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ يختلف تطهير الماء المتنجّس بالمكاثرة باختلاف أحوال ثلاث للماء‏:‏ أن يكون دون القلّتين، أو وفق القلّتين، أو زائداً عنهما‏.‏

- 1 - فإن كان دون القلّتين فتطهيره بالمكاثرة بماء آخر‏.‏

فإن اجتمع نجس إلى نجس، فالكلّ نجس وإن كثر، لأنّ اجتماع النّجس إلى النّجس لا يتولّد بينهما طاهر، كالمتولّد بين الكلب والخنزير، ويتخرّج أن يطهر إذا زال التّغيّر وبلغ القلّتين، لحديث‏:‏ «إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث» وحديث‏:‏ «إنّ الماء طهور لا ينجّسه شيء إلاّ ماء غيّر لونه أو طعمه أو ريحه»‏.‏ وجميع النّجاسات في هذا سواء، إلاّ بول الآدميّين وعذرتهم المائعة، فإنّ أكثر الرّوايات عن أحمد أنّها تنجّس الماء الكثير، إلاّ أن يبلغ حدّاً لا يمكن نزحه كالغدران، فذلك الّذي لا ينجّسه شيء‏.‏

- 2 - فإن كان وفق القلّتين‏:‏ وإن كان غير متغيّر فيطهر بالمكاثرة المذكورة‏.‏

وإن كان متغيّراً يطهر بالمكاثرة إذا أزالت التّغيّر، أو بتركه حتّى يزول تغيّره بطول المكث‏.‏ - 3 - وإن كان أكثر من القلّتين‏:‏ فإن كان نجساً بغير التّغيّر فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة‏.‏ وإن كان نجساً متغيّراً بالنّجاسة فتطهيره إمّا بالمكاثرة، أو زوال تغيّره بمكثه، أو أن ينزح منه ما يزول به التّغيّر، ويبقى بعد ذلك قلّتان فصاعداً‏.‏

وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في مصطلح‏:‏ ‏(‏طهارة‏)‏‏.‏

التّحوّل إلى القبلة أو عنها

7 - اتّفق الفقهاء على أنّ المصلّي إذا كان معايناً للكعبة، ففرضه الصّلاة إلى عينها بجميع بدنه، بأن لا يخرج شيء منه عن الكعبة ولو عضواً، فلو تحوّل بغير عذر إلى جهة أخرى بطلت صلاته‏.‏ وأمّا في تحويل الوجه‏:‏ فذهب الحنفيّة إلى أنّه لو انحرف وجهه عن عين الكعبة انحرافاً لا تزول فيه المقابلة بالكلّيّة، جاز مع الكراهة‏.‏

وأمّا تحويل الصّدر عن القبلة بغير عذر فمفسد للصّلاة‏.‏ وعند المالكيّة والحنابلة‏:‏ من التفت بجسده كلّه عن القبلة لم تفسد صلاته، إن بقيت قدماه إلى القبلة‏.‏

ويرى الشّافعيّة أنّ التّحوّل إلى جهة أخرى عامداً مبطل للصّلاة، وإن فعله ناسياً لم تبطل‏.‏ وفي الموضوع خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏استقبال‏)‏‏.‏

التّحوّل من القيام إلى القعود في الصّلاة

8 - التّحوّل من القيام إلى القعود، ومنه إلى الاستلقاء أو الاضطجاع من فروع قاعدة‏:‏

‏"‏ المشقّة تجلب التّيسير ‏"‏ والأصل فيها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُريدُ اللّهُ بكم اليُسْرَ ولا يُريدُ بكم العُسْر‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما جَعَلَ عليكم في الدّينِ من حَرَجٍ‏}‏، ولذلك أجمع أهل العلم على أنّ من لا يطيق القيام، وتعذّر عليه قبل الصّلاة أو أثناءها حقيقةً أو حكماً، بأن خاف زيادة مرض، أو بطء برئه، أو دوران رأسه، أو وجد لقيامه ألماً شديداً ونحوه، له أن يصلّي جالساً، وإن لم يستطع أومأ مستلقياً، «لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين‏:‏ صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْب» زاد النّسائيّ‏:‏ «فإن لم تستطع فمستلقياً»‏.‏ ويزاد في النّافلة‏:‏ أنّ له التّحوّل من القيام إلى القعود بلا عذر‏.‏

وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى كتاب الصّلاة عند الكلام في صلاة المريض‏.‏

تحوّل المقيم إلى مسافر وعكسه

أ - تحوّل المقيم إلى مسافر‏:‏

9 - يصير المقيم مسافراً بأحد أمرين‏:‏

أوّلهما‏:‏ إذا جاوز بيوت مقامه، وجاوز ما اتّصل به من توابع البلد بنيّة السّفر، قاصداً المسافة الّتي يتحقّق بها السّفر الّذي تتغيّر به الأحكام‏.‏ والمعتبر في النّيّة نيّة المتبوع لا التّابع، حتّى تصير الزّوجة مسافرةً بنيّة الزّوج، والجنديّ بنيّة القائد، وكلّ من لزمه طاعة غيره كالسّلطان وأمير الجيش‏.‏

ثانيهما‏:‏ إذا أنشأ السّير بعد الإقامة‏.‏ ولتفصيل الموضوع يرجع إلى ‏(‏صلاة المسافر‏)‏‏.‏

ب - تحوّل المسافر إلى مقيم‏:‏

10 - يصير المسافر مقيماً بأحد الأمور التّالية‏:‏

الأوّل‏:‏ العود إلى الوطن الأصليّ، ولو لم ينو الإقامة فيه‏.‏

والضّبط فيه‏:‏ أن يعود إلى الموضع الّذي شرط الفقهاء مفارقته في إنشاء السّفر منه‏.‏ الثّاني‏:‏ الوصول إلى الموضع الّذي يسافر إليه، إذا عزم على الإقامة فيه القدر المانع من التّرخّص، وكان صالحاً للإقامة‏.‏ والمدّة المانعة من التّرخّص خلافيّة يرجع فيها إلى ‏(‏صلاة المسافر‏)‏‏.‏

الثّالث‏:‏ إذا تزوّج المسافر ببلد، وإن لم يتّخذه وطناً، ولم ينو الإقامة‏.‏

الرّابع‏:‏ نيّة الإقامة في الطّريق‏:‏ ولا بدّ فيه من أربعة أشياء‏:‏ نيّة الإقامة، ونيّة مدّة الإقامة، واتّحاد المكان، وصلاحيّته للإقامة‏.‏

وأمّا المفازة ونحوها ففي انقطاع السّفر بنيّة الإقامة فيها خلاف وتفصيل ينظر في ‏(‏صلاة المسافر‏)‏‏.‏

الخامس‏:‏ الإقامة بطريق التّبعيّة‏:‏ وهو أن يصير الأصل مقيماً، فيصير التّبع أيضاً مقيماً، بإقامة الأصل‏.‏

التّحوّل عن الواجب إلى البدل

الكلام على التّحوّل عن الواجب إلى البدل يكون في مواضع منها‏:‏

أ - الزّكاة‏:‏

11 - ذهب الحنفيّة إلى جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في الزّكاة، وإليه ذهب الأوزاعيّ والثّوريّ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصريّ‏.‏

فيجوز للمالك أن يدفع العين أو القيمة من النّقدين والعروض وغير ذلك، ولو مع وجود المنصوص عليه، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذْ من أموالِهم صَدَقَةً‏}‏‏.‏

نصّ على أنّ المراد بالمأخوذ ‏(‏صدقةً‏)‏ وكلّ جنس يأخذه فهو صدقة‏.‏ ولقول معاذ لأهل اليمن حين بعثه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم‏:‏ «ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصّدقة مكان الشّعير والذّرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان يأتي به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا ينكر عليه»‏.‏

والفقه فيه‏:‏ أنّ المقصود إيصال الرّزق الموعود إلى الفقير، ودفع حاجة المسكين، وهو يحصل بالقيمة أيضاً‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إنّ اللّه تعالى فرض على الأغنياء قوت الفقراء، وسمّاه زكاةً»‏.‏

وفي اعتبار القيمة هل تدفع القيمة يوم الأداء أم يوم الوجوب‏؟‏ خلاف يرجع فيه إلى موطنه‏.‏ وأمّا عند المالكيّة والحنابلة‏:‏ فيجوز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في الدّنانير والدّراهم فقط، فيجوز للمزكّي أن يخرج في زكاة الدّنانير دراهم بقيمتها، ويخرج عن الفضّة ذهباً بقيمته، قلّت القيمة أو كثرت، لأنّ ذلك معاوضة في حقّه، فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، وهما كجنس واحد‏.‏ ولم يجز ذلك الشّافعيّة‏.‏

وأمّا في المواشي‏:‏ فعند الحنفيّة جائز، بناءً على قاعدتهم بجواز القيمة في كلّ شيء‏.‏

وهو الصّحيح عند الشّافعيّة‏.‏ ويكره عند المالكيّة التّحوّل عن الواجب إلى البدل، لما في ذلك من معنى الرّجوع في الصّدقة، ولئلاّ تكون القيمة أقلّ ممّا عليه، فيكون قد بخس الفقراء حقّهم، إلاّ إذا أجبر السّاعي المزكّي على أن يأخذ منه دراهم فيما وجب عليه من صدقته، فيجزئ عنه، إذا كان فيه وفاء بقيمة ما وجب عليه، وكان عند محلّها‏.‏

وفي وجه عند الشّافعيّة‏:‏ لا يجزئ إن نقصت قيمته عن قيمة الشّاة‏.‏ ووجه ثالث‏:‏ أنّه إن كانت الإبل مراضاً، أو قليلة القيمة لعيب أجزأ البعير النّاقص عن قيمة الشّاة، وإن كانت صحاحاً سليمةً لم يجزئ النّاقص‏.‏ وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في ‏(‏الزّكاة‏)‏‏.‏

وأمّا الحنابلة فلا يجوز عندهم التّحوّل في الماشية من جنس إلى آخر ولا إلى القيمة‏.‏

ب - زكاة الفطر‏:‏

12 - التّحوّل عن العين إلى القيمة في صدقة الفطر لا يجوز عند المالكيّة والشّافعيّة، وكذلك في ظاهر المذهب عند الحنابلة‏.‏ ويجوز عند الحنفيّة‏.‏

وأمّا التّحوّل من جنس إلى آخر من أجناس الأقوات، أو التّحوّل من الأدنى إلى الأعلى وعكسه ففيه خلاف وتفصيل ينظر في ‏(‏زكاة الفطر‏)‏‏.‏

ج - العشور‏:‏

13 - ذهب المالكيّة والحنابلة إلى عدم جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في العشور‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى جواز التّحوّل عن الواجب إلى البدل في العشور، وذلك للأدلّة الّتي سبق ذكرها، وكذلك يجوز التّحوّل من الواجب إلى الأعلى فقط عند الشّافعيّة إذا كانت الحبوب والثّمار نوعاً واحداً‏.‏

وإن اختلفت الأنواع‏:‏ أخذ الواجب من كلّ نوع بالحصّة إن لم يتعسّر، فإن عسر أخذ الواجب من كلّ نوع بأن كثرت، وقلّ ثمرها ففيه أوجه‏:‏

الوجه الأوّل، وهو الصّحيح‏:‏ أنّه يخرج من الوسط رعايةً للجانبين‏.‏

والثّاني‏:‏ يؤخذ من كلّ نوع بقسطه‏.‏

والثّالث‏:‏ من الغالب، وقيل‏:‏ يؤخذ الوسط قطعاً‏.‏

وفي الموضوع تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏عشر‏)‏‏.‏

د - الكفّارات‏:‏

14 - ذهب الجمهور إلى أنّه لا يجوز التّحوّل عن الواجب المنصوص عليه إلى غيره في الكفّارات، فإن كان معيّناً تعيّن، وإن كان مخيّراً تخيّر في الخصال الّتي نصّ عليها الشّارع‏.‏ ويرى الحنفيّة جواز التّحوّل عن الواجب إن كان ماليّاً إلى البدل في الكفّارات‏.‏

وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر إليه في مصطلح‏:‏ ‏(‏كفّارات‏)‏‏.‏

هـ - النّذور‏:‏

15 - المذهب عند المالكيّة والحنابلة، وهو الوجه الصّحيح لدى الشّافعيّة‏:‏ أنّ من نذر نذراً معيّناً وغير مطلق فعليه إخراجه ممّا عيّنه، ولا يجوز العدول عن المعيّن إلى غيره بدلاً أو قيمةً‏.‏ وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ‏(‏النّذر‏)‏‏.‏

ويرى الحنفيّة جواز ذلك مطلقاً، كما يجوز عندهم العدول عن الواجب إلى القيمة في النّذور، واستثنوا نذر العتق والهدي والأضحيّة‏.‏

تحوّل فريضة الصّوم إلى فدية

16 - اتّفق عامّة الفقهاء على أنّ الشّيخ الهرم الّذي لا يطيق الصّوم، أو تلحقه به مشقّة شديدة لا صوم عليه، واختلفوا في وجوب الفدية عليه‏:‏

فذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو الأظهر عند الشّافعيّة، وقول غير مشهور عند المالكيّة‏:‏ إلى أنّه تجب عليه الفدية‏.‏

ويرى المالكيّة في المشهور من المذهب، وهو غير الأظهر عند الشّافعيّة‏:‏ أنّه لا فدية عليه‏.‏ وفي وجوب الفدية على الحامل والمرضع خافت على نفسها أو ولدها، والمريض الّذي لا يرجى برؤه خلاف وتفصيل، يرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏صوم وفدية‏)‏‏.‏

تحوّل العقد الّذي لم تستكمل شرائطه إلى عقد آخر

17 - ذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو الأظهر من المذهب عند الشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ الهبة إذا كانت بشرط العوض يصحّ العقد ويتحوّل إلى بيع، فيثبت فيه الخيار والشّفعة، ويلزم قبل القبض، ويردّ بالعيب وخيار الرّؤية‏.‏

وفي قول للشّافعيّة‏:‏ يبطل العقد، لأنّه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها‏.‏

وذهب المالكيّة إلى‏:‏ أنّ هبة الثّواب بيع ابتداءً، ولذا لا تبطل بموت الواهب قبل حيازة الهبة، ولا يجوز أن يثاب عن الذّهب فضّةً أو العكس، لما يلزم عليه من الصّرف المؤخّر، ما لم يحدث التّقابض في المجلس‏.‏ وفي كون العوض معلوماً أو مجهولاً، وكذلك في كونها بيعاً ابتداءً أو انتهاءً تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏هبة‏)‏‏.‏

ولتحوّل العقد الّذي لم تستكمل شرائطه إلى عقد آخر أمثلة أخرى منها‏:‏ تحوّل المضاربة الصّحيحة إلى وكالة بالنّسبة لتصرّفات المضارب، ولذلك يرى جمهور الفقهاء في الجملة‏:‏ أنّ تصرّفات المضارب منوطة بالمصلحة كالوكيل‏.‏

وإلى شركة إن ربح المضارب، وإلى إجارة فاسدة إن فسدت‏.‏

ومنها‏:‏ تحوّل السّلم إلى بيع مطلقاً، إذا كان المسلم فيه عيناً في قول عند الشّافعيّة‏.‏ وإلى هبة لو قال‏:‏ بعت بلا ثمن، والأظهر البطلان‏.‏

ومنها‏:‏ تحوّل الاستصناع سلماً إذا ضرب فيه الأجل عند بعض الحنفيّة، حتّى تعتبر فيه شرائط السّلم‏.‏ وفي كلّ من الأمثلة المتقدّمة خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحات ‏(‏عقد، وسلم، ومضاربة، وشركة، واستصناع‏)‏‏.‏

تحوّل العقد الموقوف إلى نافذ

18 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة، وهو قول للشّافعيّة، ورواية عند الحنابلة‏:‏ إلى أنّ بيع الفضوليّ ينعقد موقوفاً على إجازة المالك، فإذا أجازه المالك أصبح نافذاً، وإلاّ فلا، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه‏.‏

وذهب الشّافعيّة في القول الجديد، وهو رواية أخرى عند الحنابلة إلى‏:‏ أنّ هذا البيع باطل ويجب ردّه، وإليه ذهب أبو ثور وابن المنذر‏.‏ وقد فصّل القائلون بانعقاد بيع الفضوليّ الكلام حوله، ويرجع فيه إلى مصطلحات‏:‏ ‏(‏عقد، وموقوف، وفضوليّ‏)‏‏.‏

تحوّل الدّين الآجل إلى حالّ

يتحوّل الدّين الآجل إلى حالّ في مواطن منها‏:‏

أ - الموت‏:‏

19 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة، وهو رواية عند الحنابلة‏:‏ إلى أنّ الدّين الآجل يتحوّل بالموت إلى حالّ، لانعدام ذمّة الميّت وتعذّر المطالبة‏.‏ وبه قال الشّعبيّ والنّخعيّ، والثّوريّ‏.‏ وذهب الحنابلة في رواية أخرى‏:‏ إلى أنّه لا يحلّ إذا وثّقه الورثة، وهو قول ابن سيرين وعبد اللّه بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد أيضاً‏.‏ وفي لحاق المرتدّ بدار الحرب هل يتقرّر موته، وتثبت الأحكام المتعلّقة به‏؟‏ خلاف بين الفقهاء ينظر في مواطنه من كتب الفقه، ومصطلح‏:‏ ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏ ومصطلح أجل ‏(‏ف‏:‏95 ج 2‏)‏‏.‏

ب - التّفليس‏:‏

20 - المتبادر من أقوال أبي يوسف ومحمّد من الحنفيّة القائلين بجواز الحجر للإفلاس، وهو الأظهر عند الشّافعيّة، والمذهب عند الحنابلة‏:‏ أنّ الدّين المؤجّل لا يحلّ بالتّفليس، لأنّ الأجل حقّ للمفلّس فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولأنّه لا يوجب حلول ماله، فلا يوجب حلول ما عليه‏.‏

وأمّا عند أبي حنيفة فلا يتأتّى هذا، لأنّه لا يجوز عنده الحجر على الحرّ العاقل البالغ بسبب الدّين‏.‏ وذهب المالكيّة، وكذلك الشّافعيّة في قول، وهو رواية عند الحنابلة ذكرها أبو الخطّاب إلى‏:‏ أنّ من حجر عليه لإفلاسه يتحوّل دينه الآجل إلى حالّ، لأنّ التّفليس يتعلّق به الدّين بالمال، فيسقط الأجل كالموت‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏حجر‏)‏‏.‏

تحوّل الوقف عند انقطاع الموقوف عليه

21 - ذهب عامّة الفقهاء إلى أنّ التّأبيد شرط في الوقف، وأنّ الوقف الّذي لا خلاف في صحّته‏:‏ ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع، مثل أن يجعل نهايته إلى جهة لا تنقطع، كأن يجعل آخره على المساكين، أو طائفة منهم، فإنّه يمتنع بحكم العادة انقراضهم‏.‏ واختلفوا فيما لو انقطع الموقوف عليهم‏:‏ فذهب أبو يوسف والمالكيّة، وهو قول عند الشّافعيّة، ورأي للحنابلة‏:‏ إلى أنّه يرجع إلى الواقف، أو إلى ورثته، إلاّ أن يقول‏:‏ صدقة موقوفة ينفق منها على فلان، وعلى فلان فإذا انقرض المسمّى كانت للفقراء والمساكين‏.‏ والأظهر عند الشّافعيّة، والمذهب عند الحنابلة‏:‏ أنّه يبقى وقفاً، وينصرف إلى أقرب النّاس إلى الواقف‏.‏ وهناك أقوال أخرى عند الشّافعيّة في مصرف هذا النّوع من الوقف‏.‏

ويرجع إلى تفصيل الموضوع في مصطلح‏:‏ ‏(‏وقف‏)‏‏.‏

تحوّل الملكيّة العامّة من الإباحة إلى الملكيّة الخاصّة وعكسه

22 - قد تتحوّل الملكيّة من العامّة إلى الخاصّة بأيّ سبب من أسباب التّملّك، كالإقطاع من أراضي بيت المال‏.‏

فللإمام أن يعطي الأرض من بيت المال على وجه التّمليك، كما يعطي المال حيث رأى المصلحة، إذ لا فرق بين الأرض والمال في الدّفع للمستحقّ‏.‏ وراجع مصطلح‏:‏ ‏(‏إقطاع‏)‏‏.‏ ويتحوّل الملك الخاصّ إلى العامّ إذا مات عنه أربابه، ولم يستحقّه وارثه بفرض ولا تعصيب، فينتقل إلى بيت المال ميراثاً لكافّة المسلمين‏.‏ وذكر أبو يعلى أنّه ينتقل إلى بيت المال مصروفاً في مصالح المسلمين، لا على طريق الميراث‏.‏

ويتحوّل الملك الخاصّ إلى عامّ، في نحو البيت المملوك إذا احتيج إليه للمسجد، أو توسعة الطّريق، أو للمقبرة ونحوها من مصالح المسلمين، بشرط التّعويض‏.‏

تحوّل الولاية في عقد النّكاح

23 - تتحوّل الولاية من الوليّ الأقرب إلى الوليّ الأبعد في مواطن منها‏:‏

- إذا فقد الوليّ الأقرب، وكذلك إذا أسر أو حبس‏.‏

فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الولاية تتحوّل من الوليّ الأقرب إلى الأبعد‏.‏

وأمّا الشّافعيّة فالولاية عندهم تنتقل إلى الحاكم‏.‏

- ومنها غيبة الوليّ، فإذا غاب الوليّ غيبةً منقطعةً تنتقل الولاية من الأقرب إلى الأبعد عند الحنفيّة والحنابلة‏.‏ وعند المالكيّة تنتقل إلى الحاكم، لأنّ الحاكم وليّ الغائب‏.‏ وكذلك عند الشّافعيّة، إلاّ إذا حكم القاضي بموت الوليّ الأقرب وقسّم ماله بين ورثته، فتنتقل عندهم إلى الأبعد‏.‏ ومنها‏:‏ العضل، وهو‏:‏ منع الوليّ مولّيته من زواج الكفء‏.‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة، وهو رواية عن أحمد‏:‏ إلى أنّ الوليّ الأقرب إذا عضلها انتقلت الولاية إلى السّلطان، وهو اختيار أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ وذكر ذلك عن عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه وشريح‏.‏ وذهب الحنابلة في المنصوص من المذهب إلى أنّها تنتقل إلى الأبعد‏.‏ وانظر لتفصيل ذلك والخلاف فيه مصطلح‏:‏ ‏(‏ولاية النّكاح‏)‏‏.‏

تحوّل حقّ الحضانة

24 - الأصل في الحضانة أنّ الأمّ أولى النّاس بحضانة الطّفل إذا كملت الشّروط، لما روى عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «أنّ امرأةً قالت‏:‏ يا رسول اللّه، إنّ ابني هذا كان بطني له وِعاءً، وثديي له سِقاءً، وحجري له حِواءً، وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينزعه منّي، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت أحقّ به ما لم تَنْكحي»‏.‏

فإن لم تكن الأمّ من أهل الحضانة لفقدان جميع الشّروط فيها أو بعضها، أو امتنعت من الحضانة، فهي كالمعدومة، وتنتقل الحضانة إلى من يليها، وهكذا تتحوّل من الأقرب إلى الأبعد في الاستحقاق‏.‏ على تفصيل ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏حضانة‏)‏‏.‏

تحوّل المعتدّة من عدّة الطّلاق إلى عدّة الوفاة

25 - إذا مات الزّوج والمرأة في عدّة طلاقه، فإن كان الطّلاق رجعيّاً سقطت عنها عدّة الطّلاق، وانتقلت إلى عدّة الوفاة، أي أربعة أشهر وعشرة أيّام من حين الوفاة، بلا خلاف‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، وذلك لأنّ المطلّقة رجعيّاً زوجة يلحقها طلاقه، وينالها ميراثه، فعليها أن تعتدّ عدّة الوفاة‏.‏

وإذا مات مطلّق البائن، وهي في العدّة، وكان الطّلاق في حال صحّته، أو طلّقها بطلبها، بنت على مدّة الطّلاق، وهذا بالاتّفاق‏.‏ أمّا إذا طلّقها في مرض موته بغير طلب منها، فهذه خلافيّة‏:‏ فذهب أبو حنيفة وأحمد والثّوريّ ومحمّد بن الحسن إلى أنّها تعتدّ بأبعد الأجلين احتياطاً لشبهة قيام الزّوجيّة، باعتبار إرثها منه‏.‏ وذهب مالك والشّافعيّ وأبو عبيد وأبو يوسف وابن المنذر إلى أنّها تبني على عدّة الطّلاق لانقطاع الزّوجيّة من كلّ وجه‏.‏

تحوّل العدّة من الأشهر إلى الأقراء وعكسه

أ - تحوّل العدّة من الأشهر إلى الأقراء‏:‏

26 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الصّغيرة الّتي لم تحض، وكذلك البالغة الّتي لم تحض، إذا اعتدّت ببعض الأشهر، فحاضت قبل انقضاء عدّتها، أنّ عدّتها تتحوّل من الأشهر إلى الأقراء، وذلك لأنّ الشّهور بدل عن الأقراء، وقد ثبتت القدرة على المبدل، والقدرة على المبدل، قبل حصول المقصود بالبدل تبطل حكم البدل كالقدرة على الوضوء في حقّ المتيمّم، فيبطل حكم الأشهر، وتنتقل عدّتها إلى الأقراء‏.‏

وكذا الآيسة إذا اعتدّت ببعض الأشهر، ثمّ رأت الدّم، فتتحوّل عدّتها إلى الأقراء عند بعض الحنفيّة، وذلك على الرّواية الّتي لم يقدّروا فيها للإياس سنّاً معيّنةً‏.‏ وكذلك عند الشّافعيّة‏.‏ وأمّا عند المالكيّة‏:‏ فإذا رأت الدّم بعد الخمسين وقبل السّبعين - وكذلك عند الحنابلة بعد الخمسين وقبل السّتّين - يكون دماً مشكوكاً فيه يرجع فيه إلى النّساء‏.‏

إلاّ أنّ ابن قدامة من الحنابلة قال‏:‏ إنّ المرأة إن رأت الدّم بعد الخمسين على العادة الّتي كانت تراه فيها، فهو حيض على الصّحيح‏.‏ وذهب الحنفيّة على الرّواية الّتي وقّتوا للإياس فيها وقتاً‏:‏ إلى أنّ ما رأته من الدّم بعدها ليس بحيض في ظاهر المذهب، إلاّ إذا كان دماً خالصاً فحيض، حتّى يبطل به الاعتداد بالأشهر‏.‏

ولتفصيل الموضوع يرجع إلى مصطلحي‏:‏ ‏(‏إياس، وعدّة‏)‏‏.‏

27 - وأمّا من انقطع حيضها بعد أن رأت الدّم، وقبل أن تبلغ سنّ اليأس - وهي المرتابة - فذهب جميع الفقهاء إلى أنّه إذا كان انقطاع الدّم بسبب معروف كرضاع ونفاس أو مرض يرجى برؤه، فإنّها تصبر حتّى تحيض، فتعتدّ بالأقراء، أو تبلغ سنّ اليأس، فتعتدّ بالأشهر بعد سنّ اليأس، ولا عبرة بطول مدّة الانتظار، لأنّ الاعتداد بالأشهر جُعل بعد اليأس بالنّصّ، فلم يجز الاعتداد بالأشهر قبله‏.‏

أمّا من انقطع حيضها لا لعلّة تعرف‏.‏ فذهب المالكيّة، وهو قول للشّافعيّ في القديم، وهو المذهب عند الحنابلة‏:‏ إلى أنّها تتربّص تسعة أشهر، ثمّ تعتدّ بثلاثة أشهر، فهذه سنة‏.‏ وعلّلوه بأنّ الأغلب في مدّة الحمل تسعة أشهر، فإذا مضت تبيّنت براءة الرّحم، فتعتدّ بالأشهر، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ أيضاً، وقضى به عمر بمحضر من الصّحابة رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ وروي عن الشّافعيّ في القديم أيضاً أنّها تتربّص ستّة أشهر ثمّ ثلاثةً، وروي عنه أيضاً في القديم‏:‏ أنّها تتربّص أربع سنين ثمّ تعتدّ بثلاثة أشهر‏.‏

تحوّل الأرض العشريّة إلى خراجيّة والعكس

28 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأرض الخراجيّة لا تصير عشريّةً أصلاً، وكذلك لا تتحوّل الأرض العشريّة إلى خراجيّة‏.‏ وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ الأرض العشريّة تتحوّل إلى خراجيّة إذا اشتراها ذمّيّ‏.‏

وفي كتاب الخراج لأبي يوسف‏:‏ للإمام أن يصيّر الأرض العشريّة خراجيّةً، والخراجيّة عشريّةً، إلاّ ما كان من أرض الحجاز والمدينة ومكّة واليمن، فإنّ هنالك لا يقع خراج، فلا يحلّ للإمام أن يغيّر ذلك، ولا يحوّله عمّا جرى عليه أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وحكمه‏.‏ ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلحات‏:‏ ‏(‏أرض، وعشر، وخراج‏)‏‏.‏

تحوّل المستأمن إلى ذمّيّ

29 - ذهب جمهور الفقهاء ‏(‏الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏ إلى أنّ غير المسلم لا يمكّن من الإقامة سنةً في دار الإسلام، فإذا أقام فيها سنةً أو أكثر تفرض عليه الجزية، ويصير بعدها ذمّيّاً‏.‏ وظاهر المتون في المذهب الحنفيّ أنّ قول الإمام‏:‏ إن أقمت سنةً أو أقلّ من ذلك وضعنا عليك الجزية، شرط لصيرورته ذمّيّاً، فعلى هذا لو أقام سنةً، أو أكثر من غير أن يقول الإمام له ذلك لا يصير ذمّيّاً‏.‏

وكذلك يتحوّل المستأمن إلى ذمّيّ بالتّبعيّة‏:‏ كما لو دخل مع امرأته، ومعهما أولاد صغار وكبار، فصار ذمّيّاً، فالصّغار تبع له بخلاف الكبار‏.‏ وتترتّب على صيرورة المستأمن ذمّيّاً أحكام عدّة، يرجع لتفصيلها إلى مصطلحي‏:‏ ‏(‏أهل الذّمّة، ومستأمن‏)‏‏.‏

تحوّل المستأمن إلى حربيّ

30 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المستأمن يصير حربيّاً بأمور‏:‏

- إذا لحق بدار الحرب، ولو بغير بلده بنيّة الإقامة، فإن دخل تاجراً أو رسولاً أو متنزّهاً، أو لحاجة يقضيها، ثمّ يعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانه في نفسه وماله‏.‏

- وإذا نقض الأمان‏:‏ كأن يقاتل عامّة المسلمين أو يغلب على قرية أو حصن لأجل حربنا، أو يقدم على عمل مخالف لمقتضى الأمان، انتقض عهده وصار حربيّاً‏.‏ وفيما ينتقض به الأمان والعهد خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي‏:‏ ‏(‏أهل الحرب ومستأمن‏)‏‏.‏

تحوّل الذّمّيّ إلى حربيّ

31 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الذّمّيّ يتحوّل إلى حربيّ باللّحاق بدار الحرب مختاراً طائعاً والإقامة فيها، أو بنقض عهد ذمّته، فيحلّ دمه وماله‏.‏ وفي محاربته جوازاً أو وجوباً - بعد بلوغ مأمنه - خلاف بينهم، وكذلك فيما ينتقض به عقد الذّمّة تفصيل ينظر في مصطلحي‏:‏ ‏(‏أهل الحرب، وأهل الذّمّة‏)‏‏.‏

تحوّل الحربيّ إلى مستأمن

32 - يصير الحربيّ مستأمناً بالحصول على أمان ممّن له حقّ إعطاء الأمان، على خلاف بين الفقهاء ذكر في مواطنه من كتب الفقه، وانظر أيضاً مصطلحي‏:‏ ‏(‏أمان، ومستأمن‏)‏‏.‏

تحوّل دار الإسلام إلى دار الحرب وعكسه

33 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه متى ارتدّ أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صارت الدّار دار حرب، وعلى الإمام قتالهم بعد الإنذار والإعذار، لأنّ أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه قاتل أهل الرّدّة بجماعة الصّحابة‏.‏

34 - وذهب أبو حنيفة إلى أنّ دار الإسلام لا تصير دار حرب إلاّ بأمور ثلاثة‏:‏

أ - أن تجري فيها أحكام أهل الشّرك على الاشتهار، وأن لا يحكم فيها بحكم أهل الإسلام، أمّا لو أجريت أحكام المسلمين، وأحكام أهل الشّرك، فلا تكون دار حرب‏.‏

ب - أن تكون متاخمةً ‏(‏أي مجاورةً‏)‏ لدار الحرب، بأن لا تتخلّل بينهما بلدة من بلاد الإسلام‏.‏

ج - أن لا يبقى فيها مسلم أو ذمّيّ آمناً بالأمان الأوّل الّذي كان ثابتاً قبل استيلاء الكفّار، للمسلم بإسلامه، وللذّمّيّ بعقد الذّمّة‏.‏ وأمّا أبو يوسف ومحمّد فيقولان بشرط واحد لا غير، وهو‏:‏ إظهار حكم الكفر، وهو القياس‏.‏ وتترتّب على دار الرّدّة أحكام، اختلف الفقهاء فيها، تنظر في مظانّها، وفي مصطلح‏:‏ ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

35 - وتتحوّل دار الحرب إلى إسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها كجمعة وعيد، وإن بقي فيها كافر أصليّ، وإن لم تتّصل بدار الإسلام‏.‏

التّحوّل من دين إلى آخر

36 - التّحوّل من دين إلى آخر ثلاثة أقسام‏:‏

القسم الأوّل‏:‏ التّحوّل من دين باطل إلى دين باطل، وهو على ثلاثة أضرب‏:‏ لأنّه إمّا أن يكون مِنْ دين يُقَرُّ أهله عليه إلى ما يقرّ أهله عليه، كتهوّد نصرانيّ أو عكسه‏.‏

وإمّا أن يكون ممّا يقرّ عليه إلى ما لا يقرّ عليه، كانتقال يهوديّ أو نصرانيّ إلى الوثنيّة‏.‏ وإمّا أن يكون ممّا لا يقرّ عليه إلى ما يقرّ عليه، كتهوّد وثنيّ أو تنصّره‏.‏

ففي هذه الحالات هل يقرّ على ما انتقل إليه بالجزية أم لا‏؟‏ خلاف وتفصيل ينظر في مواطنه من كتب الفقه، وانظر أيضاً مصطلحي‏:‏ ‏(‏تبديل، وردّة‏)‏‏.‏

القسم الثّاني‏:‏ التّحوّل من دين الإسلام إلى باطل، وهو ردّة المسلم - والعياذ باللّه - فلا يقبل منه إلاّ الإسلام‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

والقسم الثّالث‏:‏ التّحوّل من دين باطل إلى الإسلام، فتترتّب عليه أحكام مختلفة تنظر في مظانّها من كتب الفقه، وفي المصطلحات الخاصّة، وينظر أيضاً مصطلحي‏:‏ ‏(‏تبديل، إسلام‏)‏‏.‏

تحويل

التّعريف

1 - التّحويل لغةً‏:‏ مصدر حوّل الشّيء، وتدور معانيه على النّقل والتّغيير والتّبديل‏.‏

وحوّلته تحويلاً‏:‏ نقلته من موضع إلى موضع، وحوّلت الرّداء‏:‏ نقلت كلّ طرف إلى موضع الآخر‏.‏

والحَوالة‏:‏ بالفتح مأخوذة من النّقل، فتقول‏:‏ أحلته بدينه أي‏:‏ نقلته إلى ذمّة أخرى‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معانيه اللّغويّة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - النّقل‏:‏

2 - النّقل‏:‏ تحويل الشّيء من موضع إلى موضع، والأصل فيه النّقل من مكان إلى مكان‏.‏ وقد يستعمل في الأمور المعنويّة، كالنّقل من صفة إلى صفة، وكنقل اللّفظ من الاستعمال الحقيقيّ إلى الاستعمال المجازيّ‏.‏

ب - التّبديل والإبدال والتّغيير‏:‏

3 - وهي أن يجعل مكان الشّيء شيء آخر، أو تحوّل صفته إلى صفة أخرى‏.‏

ومن هنا يتبيّن أنّ هذه الألفاظ متقاربة في المعنى، إلاّ أنّ التّحويل لا يستعمل في تبديل ذات بذات أخرى‏.‏

أحكام التّحويل

أ - تحويل النّيّة في الوضوء‏:‏

4 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ النّيّة من فروض الوضوء‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّها شرط في صحّته‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة، وليست شرطاً في صحّة الوضوء، وإنّما هي شرط في وقوعه عبادةً‏.‏ فمن حيث الجملة إذا حوّل النّيّة في الوضوء من نيّة رفع الحدث إلى نيّة التّبرّد أو التّنظّف، فلا أثر لذلك في إفساد الوضوء عند الحنفيّة، لعدم اعتبارهم النّيّة فرضاً‏.‏ وإنّما يظهر أثر التّحويل في عدم اعتبار الوضوء عبادةً، وفي هذا يقول ابن عابدين‏:‏ الصّلاة تصحّ عندنا بالوضوء، ولو لم يكن منويّاً، وإنّما تسنّ النّيّة في الوضوء ليكون عبادةً، فإنّه بدونها لا يسمّى عبادةً مأموراً بها‏.‏‏.‏ وإن صحّت به الصّلاة‏.‏

فالوضوء مع النّيّة أو بدونها أو مع تحويلها صحيح باعتباره شرطاً لصحّة الصّلاة، وإن كان لا يصحّ عبادة بدون النّيّة أو مع تحويلها‏.‏

أمّا المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ فيظهر أثر تحويل النّيّة عندهم في إفساد الوضوء وعدم اعتباره شرعاً من حيث الجملة‏.‏ وفي ذلك تفصيل‏:‏ فعند المالكيّة‏:‏ رفض النّيّة في أثناء الوضوء لا يضرّ، إذا رجع وكمّله بالنّيّة الأولى على الفور، بأن ينوي رفع الحدث - على الرّاجح عندهم - أمّا إذا لم يكمّله أو كمّله بنيّة أخرى كنيّة التّبرّد أو التّنظيف، فإنّه يبطل بلا خلاف، وكذلك لو أكمله بالنّيّة الأولى، ولكن بعد طول فصل، فإنّه يبطل‏.‏

وعند الشّافعيّة‏:‏ من نوى نيّةً صحيحةً ثمّ نوى بغسل الرّجل - مثلاً - التّبرّد أو التّنظّف فله حالان‏:‏

الحالة الأولى‏:‏ أن لا تحضره نيّة الوضوء في حال غسل الرّجل، ففيه وجهان‏:‏

الوجه الأوّل، وهو الصّحيح‏:‏ أنّه لا يصحّ غسل الرّجلين‏.‏

والوجه الثّاني‏:‏ أنّه يصحّ لبقاء حكم النّيّة الأولى‏.‏

الحالة الثّانية‏:‏ أن تحضره نيّة الوضوء مع نيّة التّبرّد - كما لو نوى أوّل الطّهارة الوضوء مع التّبرّد - ففيه وجهان‏:‏

الوجه الأوّل، وهو الصّحيح‏:‏ أنّ الوضوء صحيح، لأنّ نيّة رفع الحدث حاصلة‏.‏

الوجه الثّاني‏:‏ لا يصحّ غسل الرّجلين، وذلك لتشريكه بين قربة وغيرها‏.‏

وأمّا عند الحنابلة‏:‏ فإنّ من غسل بعض أعضائه بنيّة الوضوء، وغسل بعضها بنيّة التّبرّد، فلا يصحّ إلاّ إذا أعاد فعل ما نوى به التّبرّد بنيّة الوضوء، بشرط أن لا يفصل فصلاً طويلاً فيكون وضوءه صحيحاً، وذلك لوجود النّيّة مع الموالاة‏.‏

فإن طال الفصل بحيث تفوت الموالاة بطل الوضوء لفواتها‏.‏

ب - تحويل النّيّة في الصّلاة‏:‏

5 - للفقهاء في أثر تحويل النّيّة تفصيل‏:‏

ذهب الحنفيّة إلى أنّ الصّلاة لا تبطل بنيّة الانتقال إلى غيرها ولا تتغيّر، بل تبقى كما نواها قبل التّغيير، ما لم يكبّر بنيّة مغايرة، بأن يكبّر ناوياً النّفل بعد الشّروع في الفرض أو عكسه، أو الاقتداء بعد الانفراد وعكسه، أو الفائتة بعد الوقتيّة وعكسه‏.‏

ولا تفسد حينئذ إلاّ إن وقع تحويل النّيّة قبل الجلوس الأخير بمقدار التّشهّد، فإن وقع بعده وقبيل السّلام لا تبطل‏.‏ وعند المالكيّة‏:‏ نقل النّيّة سهواً من فرض إلى فرض آخر أو إلى نفل سهواً، دون طول قراءة ولا ركوع، مغتفر‏.‏

قال ابن فرحون من المالكيّة‏:‏ إنّ المصلّي إن حوّل نيّته من فرض إلى نفل، فإن قصد بتحويل نيّته رفع الفريضة ورفضها بطلت، وإن لم يقصد رفضها لم تكن نيّته الثّانية منافيةً للأولى‏.‏ لأنّ النّفل مطلوب للشّارع، ومطلق الطّلب موجود في الواجب، فتصير نيّة النّفل مؤكّدةً لا مخصّصةً‏.‏

وعند الشّافعيّة‏:‏ لو قلب المصلّي صلاته الّتي هو فيها صلاةً أخرى عالماً عامداً بطلت، فإن كان له عذر صحّت صلاته، وانقلبت نفلاً‏.‏

وذلك كظنّه دخول الوقت، فأحرم بالفرض، ثمّ تبيّن له عدم دخول الوقت فقلب صلاته نفلاً، أو قلب صلاته المنفردة نفلاً ليدرك جماعةً‏.‏ لكن لو قلبها نفلاً معيّناً كركعتي الضّحى لم تصحّ‏.‏ أمّا إذا حوّل نيّته بلا سبب أو غرض صحيح فالأظهر عندهم بطلان الصّلاة‏.‏

وعند الحنابلة‏:‏ أنّ بطلان الصّلاة مقيّد بما إذا حوّل نيّته من فرض إلى فرض، وتنقلب في هذه الحال نفلاً‏.‏ وإن انتقل من فرض إلى نفل فلا تبطل، لكن تكره، إلاّ إن كان الانتفال لغرض صحيح فلا تكره، وفي رواية‏:‏ أنّها لا تصحّ، كمن أدرك جماعةً مشروعةً وهو منفرد، فسلم من ركعتين ليدركها، فإنّه يسنّ له أن يقلبها نفلاً، وأن يسلّم من ركعتين، لأنّ نيّة الفرض تضمّنت نيّة النّفل، فإذا قطع نيّة الفرض بقيت نيّة النّفل‏.‏

ومن هذا التّفصيل يتبيّن اتّفاق الفقهاء على أنّ تحويل نيّة الصّلاة من نفل إلى فرض لا أثر له في نقلها، وتظلّ نفلاً، وذلك لأنّ فيه بناء القويّ على الضّعيف، وهو غير صحيح‏.‏

ج - تحويل النّيّة في الصّوم‏:‏

6 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ صوم الفرض لا يبطل بنيّة الانتقال إلى النّفل، ولا ينقلب نفلاً‏.‏ وهذا عند الشّافعيّة على الأصحّ من وجهين في المذهب‏.‏

وعلى الوجه الآخر، ينقلب نفلاً إذا كان في غير رمضان، أمّا في رمضان فلا يقبل النّفل، لأنّ شهر رمضان يتعيّن لصوم فرض رمضان ولا يصحّ فيه غيره‏.‏

ونصّ الشّافعيّة على ى أنّ من كان صائماً عن نذر، فحوّل نيّته إلى كفّارة أو عكسه، لا يحصل له الّذي انتقل إليه - بلا خلاف عندهم - لأنّ من شرط الكفّارة التّبييت من اللّيل‏.‏

أمّا الصّوم الّذي نواه أوّلاً فعلى وجهين‏:‏ الأوّل‏:‏ يبقى على ما كان ولا يبطل‏.‏

الثّاني‏:‏ يبطل‏.‏ ولا ينقلب نفلاً على الأظهر‏.‏ ويقابله‏:‏ أنّه ينقلب نفلاً إذا كان في غير رمضان‏.‏ ولكلّ من المالكيّة والحنابلة تفصيل‏:‏

أمّا المالكيّة‏:‏ فذهبوا إلى أنّ من تحوّلت نيّته إلى نافلة، وهو في فريضة، فإن فعل هذا عبثاً عمداً فلا خلاف - عندهم - أنّه يفسد صومه‏.‏ أمّا إن فعله سهواً فخلاف في المذهب‏.‏

أمّا عند الحنابلة‏:‏ فإن نوى خارج رمضان قضاءً، ثمّ حوّل نيّة القضاء إلى النّفل بطل القضاء لقطعه نيّته، ولم يصحّ نفلاً لعدم صحّة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء، كذا في الإقناع، وأمّا في الفروع والتّنقيح والمنتهى فيصحّ نفلاً، وإن كان في صوم نذر أو كفّارة فقطع نيّته ثمّ نوى نفلاً صحّ‏.‏

ونصّ الحنابلة على أنّ من قلب نيّة القضاء إلى النّفل بطل القضاء، وذلك لتردّده في نيّته أو قطعها، ولم يصحّ النّفل لعدم صحّة نفل من عليه قضاء رمضان قبل القضاء‏.‏

د - تحويل المحتضر إلى القبلة‏:‏

7 - اتّفق الفقهاء على أنّ تحويل المحتضر إلى القبلة مندوب، وذلك بأن يوجّه إلى القبلة على شقّه الأيمن، إلاّ إذا تعسّر ذلك لضيق الموضع، أو لأيّ سبب آخر، فيلقى على قفاه، ورجلاه إلى القبلة‏.‏ ودليل تحويله إلى القبلة‏:‏ حديث أبي قتادة رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه فقالوا‏:‏ توفّي، وأوصى بثلثه لك يا رسول اللّه، وأوصى أن يوجّه إلى القبلة لمّا احتضر‏.‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثمّ ذهب فصلّى عليه، وقال‏:‏ اللّهمّ اغفر له، وارحمه، وأدخله جنّتك‏.‏ وقد فعلت»‏.‏

هـ – تحويل الرّداء في الاستسقاء‏:‏

8 - ذهب الجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، ومحمّد من الحنفيّة وهو المفتى به عندهم - إلى استحباب تحويل الرّداء في الاستسقاء، وخالف أبو حنيفة، فلا يحوّل الرّداء عنده في الاستسقاء‏.‏ لأنّه دعاء لا صلاة فيه عنده‏.‏ وعن أبي يوسف روايتان‏.‏

ومعنى تحويل الرّداء‏:‏ أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وبالعكس‏.‏

وذهب الشّافعيّة - على القول الجديد الصّحيح عندهم - إلى استحباب التّنكيس كذلك‏.‏ وهو‏:‏ أن يجعل أعلى الرّداء أسفله وبالعكس، خلافاً للمالكيّة والحنابلة فإنّهم لا يقولون بالتّنكيس‏.‏ ومحلّ تحويل الرّداء عند التّوجّه إلى القبلة للدّعاء، وهو عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أثناء الخطبة‏.‏ وعند المالكيّة بعد الفراغ من الخطبتين‏.‏ ودليل تحويل الرّداء من السّنّة‏:‏ حديث عبد اللّه بن زيد رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فتوجّه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه، ثمّ صلّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة»‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنّ الحكمة من تحويل الرّداء التّفاؤل بتغيير الحال إلى الخصب والسّعة‏.‏

ويستحبّ تحويل الرّداء للإمام والمأمومين عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، خلافاً للحنفيّة فلا يحوّل رداءه إلاّ الإمام في القول المفتى به‏.‏

و - تحويل الدّين‏:‏

9 - عرّف الفقهاء الحوالة بالدّين تعريفات متقاربةً، منها‏:‏ تحوّل الحقّ من ذمّة إلى ذمّة أخرى في المطالبة‏.‏ ومنها‏:‏ نقل الدّين وتحويله من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه‏.‏ ومشروعيّتها ثابتة بالإجماع‏.‏ ومستندها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مطل الغنيّ ظلم، وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع»‏.‏

ويظهر أثر الحوالة في نقل المال المحال به من ذمّة المحيل إلى ذمّة المحال عليه‏.‏

فيبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحال، ويبرأ المحال عليه عن دين المحيل، ويتحوّل حقّ المحال إلى ذمّة المحال عليه، هذا في الحوالة المقيّدة، وهي الأغلب حيث يكون المحيل دائناً للمحال عليه‏.‏ أمّا في الحوالة المطلقة، وهي‏:‏ إذا لم يكن المحيل دائنا للمحال عليه، فإنّ البراءة تحصل للمحيل فقط‏.‏ وللتّفصيل ينظر مصطلح‏:‏ ‏(‏حوالة‏)‏‏.‏

تحيّز

التّعريف

1 - التّحيّز‏:‏ من معانيه في اللّغة‏:‏ الميل‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمَنوا إذا لَقِيتُم الّذين كَفَروا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهمُ الأدبارَ ومن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتَحرِّفَاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فِئَةٍ‏}‏ معناه أو مائلاً إلى جماعة من المسلمين، ويقال‏:‏ انحاز الرّجل إلى القوم بمعنى تحيّز إليهم‏.‏

وفي لسان العرب‏:‏ انحاز القوم‏:‏ تركوا مركزهم ومعركة قتالهم ومالوا إلى موضع آخر‏.‏ وفي الاصطلاح‏:‏ التّحيّز إلى فئة‏:‏ أن يصير المقاتل إلى فئة من المسلمين، ليكون معهم فيتقوّى بهم على عدوّهم، وسواء بعدت المسافة أم قربت‏.‏ فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «أنا فئة المسلمين»

وكانوا بمكان بعيد عنه‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏‏"‏ أنا فئة كلّ مسلم ‏"‏ وكان بالمدينة وجيوشه بمصر والشّام والعراق وخراسان‏.‏ رواهما سعيد بن منصور‏.‏

وقال عمر‏:‏‏"‏ رحم اللّه أبا عبيدة، لو كان تحيّز إليّ لكنت له فئةً ‏"‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

التّحرّف‏:‏

2 - التّحرّف من معانيه في اللّغة‏:‏ الميل والعدول‏.‏ فإذا مال الإنسان عن شيء يقال‏:‏ تحرّف وانحرف واحرورف‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلاّ متحرّفاً لقتال‏}‏ أي مائلاً لأجل القتال لا مائلاً هزيمةً، فإنّ ذلك معدود من مكايد الحرب، لأنّه قد يكون لضيق المجال، فلا يتمكّن من الجولان، فينحرف للمكان المتّسع، ليتمكّن من القتال‏.‏

والتّحرّف في الاصطلاح‏:‏ أن ينتقل المقاتل إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينتقل من مواجهة الشّمس أو الرّيح إلى استدبارهما، أو من منخفض إلى علو أو عكسه، أو من معطشة إلى موضع ماء، أو ليجد فيهم فرصةً، أو ليستند إلى جبل، ونحو ذلك ممّا جرت به عادة أهل الحرب‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏تحرّف‏)‏‏.‏

فالتّحيّز والتّحرّف يكونان فيما إذا التقى المسلمون والكفّار في الحرب، والتحم جيشاهما، فالمتحيّز إن وجد من نفسه أن لا قدرة له على مواجهة عدوّه والظّفر به لكثرة عدده وعدده، إلاّ بأن يستنصر ويستنجد بغيره من فئات المسلمين، فإنّه يباح له أن ينحاز إلى فئة منهم، ليتقوّى بهم، ويستطيع بذلك قهر العدوّ والظّفر به والنّصر عليه‏.‏

والمتحرّف لقتال إذا رأى أن يكيد لخصمه ويتغلّب عليه، وأنّ السّبيل إلى النّيل منه والظّفر به والنّصر عليه، إنّما في تغيير خططه، سواء أكانت في تغيير المكان، أم في التّراجع ليسحب العدوّ وراءه، ويعاوده بالهجوم عليه إلى غير ذلك، ممّا يطلق عليه ‏(‏الخدع الحربيّة‏)‏ فإنّه يباح له ذلك، إذ الحرب خدعة‏.‏ أمّا لغير ذلك فلا يحلّ لكلّ منهما‏.‏

الحكم الإجمالي

3 - التّحيّز مباح، إذا استشعر المتحيّز عجزاً محوجاً إلى الاستنجاد بغيره من المسلمين، وكان بقصد الانضمام إلى فئة، أي جماعة من النّاس، ليتقوّى بهم على محاربة عدوّهم وإيقاع الهزيمة به والنّصر عليه‏.‏ فإذا انتفى ذلك يكون فراراً، وهو حرام، لقوله تعالى‏:‏

‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا إذا لَقِيتُم الّذين كفروا زَحْفَاً فلا تُوَلُّوهُم الأدبارَ ومَنْ يُوَلِّهم يومئذٍ دُبُرَه إلاّ مُتَحرِّفَاً لِقِتالٍ أو مُتَحيِّزاً إلى فئةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ من اللّهِ ومَأواه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصيرُ‏}‏‏.‏ فإذا التقى المسلمون والكفّار في الحرب والتحم الجيشان، وجب على المسلمين كأصل عامّ أن يثبتوا في مواجهة عدوّهم، وحرم عليهم أن يفرّوا، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تولّوهم الأدبار‏}‏‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتُم فِئَةً فاثبتوا واذكروا اللّه كثيراً لعلّكم تفلحون‏}‏‏.‏

4 - وعدَّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم الفرار عند الزّحف من الكبائر في أحاديث كثيرة منها‏:‏ ما أخرجه الشّيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «اجتنبوا السّبع الموبقات قالوا‏:‏ يا رسول اللّه وما هنّ‏؟‏ قال‏:‏ الشّرك باللّه تعالى، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه تعالى إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»‏.‏

فثبات المسلمين في مواجهة أعدائهم الكفرة وحرمة فرارهم من لقائهم واجب، إذا كانوا في مثل عددهم أو على النّصف منهم أو أقلّ من ذلك، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنْ يَكُنْ منكم مائةٌ صابرةٌ يَغْلِبُوا مائتين وإن يكنْ منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإِذنِ اللّهِ واللّهُ مع الصّابرين‏}‏‏.‏

إلاّ إن كان ذلك بقصد تحيّزهم إلى فئة من المسلمين تناصرهم وتشدّ من أزرهم ويتقوّون بها على أعدائهم، وسواء أكانت هذه الفئة قريبةً لهم أم بعيدةً عنهم، لعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو متحيّزاً إلى فئة‏}‏ قال القاضي أبو يعلى‏:‏ لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز جاز التّحيّز إليها، لحديث ابن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّي فئة لكم» وكانوا بمكان بعيد عنه‏.‏ وقال عمر‏:‏ ‏"‏ أنا فئة لكلّ مسلم ‏"‏ وكان بالمدينة وجيوشه بالشّام والعراق وخراسان‏.‏ وقال عمر‏:‏‏"‏ رحم اللّه أبا عبيدة لو كان تحيّز إليّ لكنت له فئةً ‏"‏‏.‏

5- فإن زاد الكفّار على مثلي عدد المسلمين فيباح للمسلمين أن ينسحبوا، لأنّ اللّه تعالى لمّا أوجب على المائة مصابرة المائتين في قوله‏:‏ ‏{‏فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين‏}‏ دلّ على أنّه لا يجب عليهم مصابرة ما زاد على المائتين‏.‏

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال‏:‏‏"‏ من فرّ من اثنين فقد فرّ، ومن فرّ من ثلاثة فلَمْ يفرّ وفي رواية أخرى‏:‏ ‏"‏ فما فرّ ‏"‏ إلاّ أنّه إن غلب على ظنّ المسلمين الظّفر بهم والنّصر عليهم، فيلزمهم الثّبات إعلاءً لكلمة اللّه‏.‏

وإن غلب على ظنّهم الهلاك في البقاء والنّجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تُلْقُوا بأيدِيْكم إلى التَّهْلُكَةِ‏}‏ وإن ثبتوا جاز لأنّ لهم غرضاً في الشّهادة، وحتّى لا ينكسر المسلمون، ولأنّه يجوز أن يغلبوا الكفّار، ففضل اللّه واسع، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفاً حرم عليهم الفرار، ولو كثر الكفّار جدّاً، ما لم تختلف كلمتهم، وما لم يكن بقصد التّحيّز لقتال‏.‏

تحيّة

التّعريف

1 - التّحيّة مصدر حيّاه يحيّيه تحيّةً، أصله في اللّغة‏:‏ الدّعاء بالحياة، ومنه ‏"‏ التّحيّات للّه ‏"‏ أي البقاء، وقيل‏:‏ الملك، ثمّ كثر حتّى استعمل في ما يحيّا به من سلام ونحوه، وتحيّة اللّه الّتي جعلها في الدّنيا والآخرة لمؤمني عباده السّلام، فقد شرع لهم إذا تلاقوا ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدّعاء أن يقولوا‏:‏ السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حُيِّيتُم بِتحيّةٍ فحيّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها‏}‏‏.‏

واستعمل الفقهاء عبارة ‏(‏التّحيّة‏)‏ في غير السّلام لتحيّة المسجد‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

2 - حكم التّحيّة النّدب بلا خلاف بين جمهور الفقهاء، وهي تختلف في الأداء كما يلي‏:‏

أ - التّحيّة بين الأحياء‏:‏

3 - أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سنّة مرغّب فيها، وردّه فريضة لقوله تعالى‏:‏

‏{‏وإذا حُيِّيتُم بتحيّةٍ فَحَيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها‏}‏‏.‏ وللتّفصيل ر‏:‏ ‏(‏سلام‏)‏‏.‏

ب - تحيّة الأموات‏:‏

4 - تحيّة من في القبور السّلام، فإذا مرّ المسلم بالقبور أو زارها استحبّ أن يقول ما ورد وهو‏:‏ «السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لَلاحقون، نسأل اللّه لنا ولكم العافية» وفي حديث عائشة‏:‏ «ويرحم اللّه المستقدمين منّا، والمستأخرين»‏.‏

ج - تحيّة المسجد‏:‏

5 - يرى جمهور الفقهاء أنّه يسنّ لكلّ من يدخل مسجداً غير المسجد الحرام - يريد الجلوس به لا المرور فيه، وكان متوضّئاً - أن يصلّي ركعتين أو أكثر قبل الجلوس‏.‏ والأصل فيه حديث رواه أبو قتادة رضي الله عنه‏:‏ «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يركع ركعتين» ومن لم يتمكّن منهما لحدث أو غيره يقول ندباً‏:‏ سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلاّ اللّه، واللّه أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم‏.‏ فإنّها تعدل ركعتين كما في الأذكار، وهي الباقيات الصّالحات، والقرض الحسن‏.‏ ويسنّ لمن جلس قبل الصّلاة أن يقوم فيصلّي، لما روى جابر رضي الله عنه قال‏:‏ «جاء سليك الغطفانيّ، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال‏:‏ يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما» فإنّها لا تسقط بالجلوس‏.‏

كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ تحيّة المسجد تتأدّى بفرض أو نفل‏.‏

6- وأمّا إذا تكرّر دخوله، فذهب الحنفيّة والمالكيّة - إن قرب رجوعه له عرفاً - والشّافعيّة في قول مقابل الأصحّ عندهم‏:‏ إلى أنّه تكفيه لكلّ يوم مرّةً‏.‏

والأصحّ عند الشّافعيّة تكرّر التّحيّة بتكرّر الدّخول على قرب كالبعد‏.‏

وإذا كانت المساجد متلاصقةً، فتسنّ التّحيّة لكلّ واحد منها‏.‏

7 - وكذلك اختلف الفقهاء بالنّسبة لمن دخل المسجد والإمام يخطب‏:‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يجلس ويكره له أن يركع ركعتين، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستمِعُوا له وأَنْصِتُوا‏}‏، والصّلاة تفوّت الاستماع والإنصات، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السّنّة، وإليه ذهب شريح، وابن سيرين والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ واللّيث‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يركع ركعتين يوجز فيهما، لحديث سليك الغطفانيّ المتقدّم‏.‏ وبهذا قال الحسن وابن عيينة ومكحول وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر‏.‏

د - تحيّة الكعبة‏:‏

8 - إذا وصل المحرم مكّة ودخل المسجد ورأى البيت، يرفع يديه ويقول‏:‏ «اللّهمّ زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من شرّفه وعظّمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً»‏.‏ لحديث رواه الشّافعيّ والبيهقيّ ويقول‏:‏ «اللّهمّ أنت السّلام، ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام»‏.‏ وعند الحنفيّة يقول ذلك، ولكن لا يرفع يديه‏.‏

هـ – تحيّة المسجد الحرام‏:‏

9 – ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف للقادم لمكّة، سواء كان تاجراً أو حاجّاً أو غيرهما، لقول عائشة رضي الله عنها عنها‏:‏ «إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم مكّة توضّأ، ثمّ طاف بالبيت» وركعتا تحيّة المسجد الحرام تجزئ عنهما الرّكعتان بعد الطّواف‏.‏

إلاّ إذا كان للدّاخل فيه عذر مانع، أو لم يرد الطّواف، فيصلّي ركعتين إن لم يكن وقت كراهة‏.‏ وإذا خاف فوات المكتوبة أو جماعتها، أو الوتر، أو سنّةً راتبةً قدّمها على الطّواف، إلاّ أنّه لا تحصل بها تحيّة المسجد الحرام، بخلاف سائر المساجد‏.‏

10 - وأمّا المكّيّ الّذي لم يؤمر بطواف، ولم يدخله لأجل الطّواف، بل للصّلاة أو لقراءة القرآن أو للعلم، فتحيّة المسجد الحرام في حقّه الصّلاة، كتحيّة سائر المساجد‏.‏ ونصّ أحمد على أنّ الطّواف لغريب أفضل من الصّلاة في المسجد الحرام‏.‏

وعن ابن عبّاس‏:‏ أنّ الطّواف لأهل العراق، والصّلاة لأهل مكّة، وإليه ذهب عطاء‏.‏

وينظر للتّفصيل مصطلح‏:‏ ‏(‏طواف‏)‏‏.‏

و - تحيّة المسجد النّبويّ‏:‏

11 - اتّفق الفقهاء على أنّ من دخل المسجد النّبويّ يستحبّ له أن يقصد الرّوضة إن تيسّر له - وهي ما بين القبر والمنبر - ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد بجنب المنبر، لحديث جابر قال‏:‏ «جاء سليك‏.‏‏.‏‏.‏» ثمّ يأتي قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويقول‏:‏ السّلام عليك يا رسول اللّه، ثمّ يسلّم على أبي بكر رضي الله عنه، ثمّ على عمر رضي الله عنه‏.‏

حكم التّحيّة بغير السّلام للمسلم

12 - ذهب عامّة العلماء إلى أنّ التّحيّة بغير السّلام للمسلم، كنحو‏:‏ صبّحك اللّه بالخير، أو السّعادة، أو طاب حماك، أو قوّاك اللّه، من الألفاظ الّتي يستعملها النّاس في العادة لا أصل لها، ولا يجب الرّدّ على قائلها، لكن لو دعا له مقابل ذلك كان حسناً‏.‏

13 - كما أنّ عامّة أهل العلم يرون أنّ الرّدّ على من حيّا بغير السّلام غير واجب، سواء أكانت تحيّته بلفظ، أم بإشارة بالإصبع، أو الكفّ أو الرّأس، إلاّ إشارة الأخرس أو الأصمّ، فيجب الرّدّ بالإشارة مع اللّفظ، ليحصل به الإفهام، لأنّ إشارته قائمة مقام العبارة‏.‏

14 - وأمّا الرّدّ بغير السّلام على من ألقى السّلام، فعامّة أهل العلم يرون أنّه لا يجزئ، ولا يسقط الرّدّ الواجب، لأنّه يجب أن يكون بالمثل‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بأَحْسَنَ منها أو رُدُّوها‏}‏‏.‏

حكم التّحيّة بالسّلام لغير المسلم

15 - حكم التّحيّة لغير المسلم بالسّلام عليكم ممنوع على سبيل الحرمة أو الكراهة، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام، وإذا سلّموا هم على مسلم قال في الرّدّ‏:‏ وعليكم‏.‏ ولا يزيد على هذا»‏.‏

16 - قال ابن القيّم‏:‏ هذا كلّه إذا تحقّق أنّه قال‏:‏ السّام عليكم، أو شكّ فيما قال، فلو تحقّق السّامع أنّ الذّمّيّ قال له‏:‏ ‏"‏ سلام عليكم ‏"‏ لا شكّ فيه، فهل له أن يقول‏:‏ وعليك السّلام، أو يقتصر على قوله‏:‏ وعليك‏؟‏ فالّذي تقتضيه الأدلّة الشّرعيّة وقواعد الشّريعة أن يقال له‏:‏ وعليك السّلام، فإنّ هذا من باب العدل، واللّه يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حُيِّيتُم بِتَحيّةٍ فَحَيُّوا بِأَحسنَ منها أو رُدُّوها‏}‏‏.‏

فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما، فإنّه صلى الله عليه وسلم إنّما أمر بالاقتصار على قول الرّادّ ‏"‏ وعليكم ‏"‏، بناءً على السّبب المذكور الّذي كانوا يعتمدونه في تحيّتهم، وأشار إليه في حديث عائشة رضي الله عنها فقال «ألا ترينني قلت‏:‏ وعليكم، لمّا قالوا‏:‏ السّام عليكم‏.‏ ثمّ قال‏:‏ إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا‏:‏ وعليكم»

والاعتبار وإن كان لعموم اللّفظ فإنّما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه‏.‏ قال تعالى ‏{‏وإذا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بما لمْ يُحَيِّكَ به اللّهُ، ويقولونَ في أَنْفُسِهم لولا يُعَذِّبُنا اللّهُ بما نقولُ‏}‏ فإذا زال هذا السّبب وقال الكتابيّ‏:‏ سلام عليكم ورحمة اللّه، فالعدل في التّحيّة يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه‏.‏ وباللّه التّوفيق‏.‏

17 - وأمّا حكم التّحيّة بغير السّلام للكافر، فيرى الحنفيّة والمالكيّة، وبعض الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّها مكروهة ما لم تكن لعذر، أو غرض كحاجة أو جوار أو قرابة، فإذا كانت لعذر فلا كراهة فيها‏.‏

وذهب الشّافعيّة والحنابلة في الرّاجح عندهم، إلى حرمة تحيّة الكفّار ولو بغير السّلام‏.‏

تحيّات

انظر‏:‏ تشهّد‏.‏